اسمي م.ح من غوطة دمشق وكنت أعمل مراسل صحفي 

اسمي م.ح من غوطة دمشق وكنت أعمل مراسل صحفي  تعرضت لقصف بالأسلحة الكيماوية في الغوطة ب 21/8/2013.

يوم 20 آب كان يوم هادئ نسبياً لأننا تعودنا على قصف دوري من قبل قوات النظام السوري سواء بالمدفعية أو بالطيران ولكن ذلك اليوم كان مختلف، يعني ممكن تسمع مجرد طلقات خفيفة، اشتباك على الجبهة أما قصف مثل المعتاد لم يحدث، طيران حربي بالأجواء لم يكن موجوداً، بينما كان يوجد تحليق لطيران الاستطلاع فقط.

 وقد اعتدنا دائماً أن الهدوء يعني أن النظام يحضر لشيء ما.

 أنا أتذكر أن الجميع في زملكا كانوا متخوفين من اقتحام قريب للنظام الذي كان يحضر قواته و يعزز من انتشارها على خطوط الاشتباك ولذلك كانت تسود حالة من الحذر في أوساط الثوار وشبه استنفار للكوادر الطبية.

كنت في ذاك الوقت مراسلاً لتلفزيون الآن الذي يبث من دبي وكنت متأهباً لتغطية أي حدث أو تطورات يمكن أن تحصل، لكنني لم أتخيل أن يكون الحدث هو الهجوم بالسلاح الكيماوي.

كانت ليلة الحادي والعشرين من آب لطيفة وهادئة وأذكر أنني أنا واثنين من شركائي بالسكن ذهبنا إلى مخبز للمعجنات والفطائر، كان موجود في بلدة كفربطنا، أحضرنا معجنات وأكلناها في وقت متأخر من الليل حوالي الساعة واحدة من بعد منتصف الليل،  و كان حتى تلك الساعة يوم كثير “ريلاكس” بالنسبة لنا على غير العادة.

عندما عدت للبيت وتحديدا في الساعة 1:20 وانا على مدخل البناية سمعت صوت انفجار أول قذيفة ولكنه كان صوتاً غريباً عن المعتاد، عادة يكون لصوت القذيفة  ضجة كبيرة ويكون انفجاراً يهز الشبابيك يهز الشجر، أما ذلك الصوت فقد كان  يشبه صوت انفجار بالون ممتلئ بالمياه تم رميه من أعلى.

 كان صوت انفجار القذيفة عميقاً كما لو أنه حدث داخل بئر ماء.

انا استغربت انفجار قذيفتين متتاليتين بشكل غريب لكن لم أكترث كثيرا، وعندما صعدت للمنزل تواصلوا معي من النقطة الطبية تقريبا يعني ممكن بعد 10 دقائق خلينا نقول تواصلوا معي وقالوا ” تعال على الطبية في إصابات كيماوي” وأذكر أنني سألته هل الإصابات كثيرة؟

 قال لي نعم كثيرة، ولأخذ العلم  فالمنطقة شهدت هجمات كيماوي من قبل ولكن أعداد المصابين كانت تتراوح بين خمس إصابات سبع إصابات، عشر إصابات في هذا الإطار تقريبا.

أما في 21 آب فقد أخبرني أن هناك نحو عشرين إصابة دفعة واحدة قلت له أنا قادم فوراً.

ركبت دراجتي وتوجهت للنقطة الطبية فتفاجأت بأن العدد الموجود بالطبية أكبر من 20 بكثير، ربما من رأيتهم يتجاوز عددهم  150 شخص فكان المشهد صادماً.

خلال دقائق كانت الأعداد بالمئات الناس كلها تترنح وكأنه يوم القيامة الكثيرون تحولوا لمسعفين، كل شخص يملك سيارة أصبح يساعد في نقل المصابين من مكان القصف إلى النقاط  الطبية.

 في البداية أنا ذهبت بصفتي مراسل تلفزيوني بهدف القيام بتغطية إعلامية وتوثيق الإصابات والضحايا بالصور ولكن هول المشهد دفعني فوراً  لأتحول لمسعف.

 من غير المعقول أن أرى الناس يموتون وأنا  أكتفي بتصويرهم، فحاولت ساعد بما أملكه من الخبرة بالإسعافات الأولية.

 بقيت على تلك الحالة تقريباً بحدود الساعتين من الواحدة ونصف صباحاً حتى الثالثة والنصف، حينها شعرت بأنني بدأت  أفقد السيطرة على نفسي وأنني سأتحول من مسعف لمصاب، طبعاً هذا الشيء بسبب انتشار الغاز بالهواء وبسبب الاحتكاك المباشر مع المصابين المباشرين الذين علق غاز السارين بثيابهم.

و هذا أثر على كثير من المسعفين وبعضهم فارق الحياة خلال محاولتهم إنقاذ الناس.

وما ساعدني على الصمود هو مواظبتي على أخذ حقن الأتروبين وموسع القصبات لكن اضطراب النظر وغياب الرؤية أوصلني لمرحلة لم أعد قادرا فيها على التحمل أكثر، فعدت للمنزل بصعوبة بالغة  أخدت حماماً سريعاً و واسترحت تقريبا  ساعتين أو ثلاثة حتى استعدت قدرتي على الرؤية بوضوح.

بعد استعادتي لوعيي نزلت مرة أخرى إلى النقطة الطبية ورأيت ما لا يتمنى المرء أن يراه، كانت أعداد الجثث بالعشرات قبل أن أغادر ليلاً، لكن هذه المرة رأيت مئات الجثث ملقاة على الأرض.

 كانت الجثث موزعة على النقاط الطبية في عربين وحمورية  وكفر بطنا لأن مشافي زملكا وعين ترما وجوبر لم تكن قادرة على استيعاب كل تلك الأعداد.

تجولت على كل المناطق التي نقل إليها الضحايا ولا يمكنني  وصف ذلك الشعور، شعور أنك ناجي وأمامك  مئات الضحايا الذين تريد أن تحصي أعدادهم المتزايدة في كل ساعة أمر مؤلم.

 بين كل ساعة و ساعة كان علي المشاركة في مداخلة تلفزيونية لتحديث الإحصائيات والتطورات.

خصوصا أن النظام استغل التعميم الصادر عن الأطباء بضرورة خروج الناس من الأماكن المنخفضة والمقيمين في الطوابق السفلية أو الأقبية إلى أسطح الأبنية لأن الغاز أثقل من الهواء فيكون التركيز بالعالي  اخفض بالأماكن المرتفعة وبدأ بقصف المنطقة بالراجمات، والمدافع، يعني إجرام لا يمكن تصوره حتى الناجين الذين نجوا بالبداية من الغاز كانوا يريدون قتلهم بالصواريخ التقليدية واضطر الناس أن  يبقوا في الطوابق السفلية لحماية أنفسهم من شظايا القصف.

 مكان الضربات كان يبعد عن بيتي تقريبا حوالي 800 متر أو 900 متر ويبعد عن النقطة الطبية حوالي 500 متر.

الغالبية العظمى من المصابين  مدنيين و المنطقة المستهدفة في زملكا هي منطقة مدنية بحتة  هي أفقر منطقة في المدينة “منطقة المزرعة” وهي عبارة عن تجمع سكني مكتظ.

أنا واحد من الذين تحولوا إلى مسعفين،  حاولت المساعدة في إخراج العائلات التي كانت نائمة في بيوتها، ومن بعض المشاهد التي رأيتها أتذكر عائلة كاملة أفرادها كانوا  نيام على أسرتهم تعلوهم  أغطية خفيفة، رأيتهم جميعا قد فارقوا الحياة بلا دماء، قتلوا بالسارين وهم نائمون في أسرتهم .

من نجا هم أولئك الذين أحسوا بالقصف واستيقظوا أو من وصلت إليهم فرق الإنقاذ قبل أن يتمكن منهم الغاز.

بالنسبة للضحايا والمصابين كانت الغالبية منهم من المدنيين، وكلمة مدنيين تشمل نساء تشمل أطفال تشمل كبار السن تشمل حتى الشباب، وأنا متأكد من هذه المعلومات 100 بالمئة.

بحسب المعطيات أخمن العدد الذي وصل للنقطة الطبية بزملكا فقط بأكثر من عشرة آلاف مصاب، أما القتلى  اللي تم احصائهم فقد كانوا 535 ضحية منهم من وصل متوفي ومنهم من توفي في الطبية.

المنطقة تحولت لمدينة اشباح أغلب الناس بعد ساعات الهجوم الأولى أو حتى المصابين الذين خرجوا بعد تلقيهم الإسعافات، لأن المصاب لن يجد مكانا ينام بالطبية نزحوا لمنطقة بعيدة عن زملكا وتحديدا إلى منطقة البساتين في الغوطة.

كانت الشوارع خالية إلا من بعض السيارات التي كان سائقوها يحاولون نقل الجثث من مكان لمكان وبعض الآليات لحفر المقابر الجماعية طبعاً المقابر الجماعية لا تزال موجودة.

 بزملكا  وحدها دفن  أكثر من 900 شخص وأيضاً تم دفن البعض في عربين والبعض ممكن بمقبرة كفربطنا أو حمورية.

 بالتأكيد النظام هو المسؤول عن المجزرة ، لأنه كان ينفذ محاولات اقتحام شرسة جداً جداً على المتحلق الجنوبي.

استهدف الداخل بالكيماوي وبنفس الوقت حرك قواته لتقتحم المنطقة على الجبهة.

باختصار كان يوم الحادي والعشرين من آب كأنه يوم القيامة بالفعل.

شارك

This post is also available in: English Français