لن أنسى تلك الليلة ماحييت وسأحكي الحكاية كل عام

لكن عدالة العالم تعاملت مع الجريمة بشكل جديد؛ تعاملت بطريقة حولت فيها الخطوط الحمراء إلى إشارات مرور خضراء!! لقد اكتفتْ هذه العدالة بمصادرة أداة الجريمة وعَفتْ عن المجرم!.

حوالي الثانية صباحاً كانت أجهزة الاتصال تكرر النداء.. كان علينا التوجه فوراً إلى المشافي والنقاط الطبية؛ لقد فعلها السفاح، لقد قصفنا بالكيماوي!

كانت السيارات تذهب وتأتي بالمصابين بالعشرات من مختلف الأعمار وتنزلهم في باحة المشفى، وكانت صهاريج المياه تسكب ماءها على المصابين لإزالة التلوث، وكانت الكوادر الطبية والمتطوعون بوسائل الحماية البدائية يبذلون المستحيل للإمساك بروح هنا وروح هناك قبل أن تغادر الأجساد التي أنهكها الجوع.

كان المشهد العام مريعاً .. البعض قد فارق الحياة، البعض يختلج والبعض يختنق، هناك من يصرخ والبعض مذهول والبعض في سبات!
لقد خرجت تعابير الجميع عن السيطرة وساد المكان الفزع والصراخ والأنين والبكاء والضحك الهيستيري! كنت للحظات لا أصدق ما أرى وأظن أنني أحضر فيلماً عن يوم القيامة!

“فزعة” أهل الغوطة يومها كانت بعنوان التضامن حتى الموت؛ هناك من أحضر الملابس للمصابين ومن أحضر مافي بيته من طعام. هناك من استضاف المصابين في بيته وهناك من رعى أيتام السارين.
ثمة من تطوع لإسعاف المصابين وهناك من تطوّع لحفر القبور ودفن الشهداء! وهناك الكثير ممن استشهد بعد تعرضه لبقايا السارين العالقة بالمصابين أثناء إسعافهم.
هذه المرة نجا المصاب ومات المسعف! لن أنسى ما حييت كيف استنشقت أيضاً بقايا السارين، كيف عبرت مثلهم مراحل الموت اختناقاً.. لكن الموت لفظني!
لن أنسى كيف بكيت يومها بدموع جافة؛ كنت أعتصر الدمع ولا يستجيب، لقد كنت تحت تأثير الأتروبين . وعندما أصبح الصباح كانت مئات الجثث المصفوفة تحمل أرقاماً لا تنتهي! خفضت صوتي في حضرتها، لقد حسبتهم نياماً وخشيت أن أوقظهم.
كانت وجوه الأطفال بتعابيرها الملائكية تغطّ في موت عميق! وكان كل مافي بيوتهم يدلّ على توقف الحياة عند لحظة معينة؛ لقد توقف فيلم الحياة عند مشهد الموت!

هنا مائدة لم يكمل جلساؤها طعامهم عندما استنشقوه، هناك “براد الشاي والكاسات” مازالت عامرة لكنهم تركوها شاهداً على آخر سهراتهم في الحياة..! وفي مكان ثالث كانوا نياماً .. وتركوا على أسرتهم آثار الزبد والقيء والاختناق!

أما العصافير فقد سقطت في أقفاصها فاردة جناحيها مستسلمة للسارين؛ كلاب هنا وقطط هناك وخراف في الحظيرة، جميعها ماتت معاً في لحظة واحدة!

بعد أسبوع حضرت لجنة التحقيق الدولية، عاينت المصابين وأخذت عينات من كل ما يخطر في البال. وخرجت بتقريرها الذي يوثق الكارثة بكل تفاصيلها،

لكن عدالة العالم تعاملت مع الجريمة بشكل جديد؛ تعاملت بطريقة حولت فيها الخطوط الحمراء إلى إشارات مرور خضراء!  لقد اكتفتْ هذه العدالة بمصادرة أداة الجريمة وعَفتْ عن المجرم!.

في الحقيقة لقد ازدحمنا ليلتها على الموت لكنه اختار منا 1500 شهيد وأجّل الباقون للموت بنكهات جديدة؛ جوعاً و غرقاً و حرقاً و تحت الردم .. وقهراً و تحت التعذيب!.

بقلم: الدكتور سليم نمور

شارك

This post is also available in: English